كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فأما: {هئتُ لك} و: {هيِّئتُ} فاللام فيه متعلقة بالفعل نفسه، كقولك: أُصْلِحْتُ لكذا وصَلَحْت لكذا.
ومن ذلك قراءة ابن يعمر والجارود بن أبي سبرة بخلاف وابن أبي إسحاق ونوح القارئ ورُويت عن أبي رجاء: {من قُبُلُ}، و: {من دُبُرُ} بثلاث ضمات من غير تنوين.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكونا غايتين؛ كقول الله سبحانه: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} كأنه يريد: وقَدَّت قميصه من دُبُره، وإن كان قميصه قُدَّ من قُبُله، فلما حذف المضاف إليه- أعني: الهاء، وهي مرادة- صار المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غاية له. وهذا حديث مفهوم في قول الله سبحانه: {مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ}، فبنَى هنا كما بُني هناك على الضم، ووَكَّد البناء أن قُبُل ودُبُر يكونان طرفين، ألا ترى إلى قول الفرزدق:
يُطَاعِن قُبْلَ الخيل وهو أمامَها ** ويطعنُ عن أدبارها إن تولَّتِ

وقال الله سبحانه: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ النُّجُومِ} فنصبه على الظرف، وهو جمع دُبُر.
ومن ذلك قراءة علي عليه السلام والحسن بخلاف وأبي رجاء ويحيى بن يعمر وقتادة بخلاف وثابت البناني وعوف الأعرابي وابن أبي مريم والأعرج بخلاف ومجاهد بخلاف وحميد بخلاف والزهري بخلاف وابن محيصن ومحمد بن السميفع وعلي بن حسين بن علي وجعفر بن محمد: {قد شَعفها} بالعين.
قال أبو الفتح: معناه: وصل حبه إلى قلبها، فكاد يحرقه لحدته، وأصله من البعير يُهْنَأ بالقطران فيصل حرارة ذلك إلى قبله. قال الشاعر:
أيقتلني وقد شَعَفْتُ فؤادها ** كما شَعَفَ الْمَهْنُوءَةَ الرجلُ الطَّالِي؟

وأما قراءة الجماعة: {شَغَفَهَا} بالغين معجمة، فتأويله أنه خرَّق شَغاف قلبها؛ وهو غلافه، فوصل إلى قلبها.
ومن ذلك قراءة الزهري وأبي جعفر وشيبة: {مُتَّكًا}، مشدد من غير همز، وقرأ: {مُتْكًا} ساكنة التاء غير مهموز ابن عباس وابن عمر والجحدري وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب، ورُويت عن الأعمش. وقرأ: {مُتَّكَاءً} بزيادة ألف الحسن. وقراءة الناس: {مُتَّكَأً} في وزن مُفْتَعَل.
قال أبو الفتح: أما: {مُتَّكًا} غير مهموز فمبدل من مُتَّكَأ، وهو مفتَعَل من تَوَكَّأْتُ، كمُتَّجَهٍ من تَوَجَّهْتُ، ومُتَّعَد من وعدت. وهذا الإبدال عندنا لا يجوز في السعة؛ وإنما هو في ضرورة الشعر؛ فلذلك كانت القراءة به ضعيفة. وعلى أن له وجهًا آخر؛ وهو أن يكون مفتعَلًا من قوله:
إذا شرب الْمُرِضَّة قال أَوْكِي ** على ما في سقائك قد رَوِينا

يقال: أَوْكَيْتُ السقاء: إذا شددته، فيكون راجعًا إلى معنى مُتَّكَأ المهموز؛ وذلك أن الشيء إذا شُد اعتمد على ما شده كما يعتمد المتكئ على المتكَأ عليه. فإن سلكت هذه الطريق لم يكن فيه بدل ولا ضعف، فيكون مُتَّكًا على هذا كمُتَّقًى من وقيت، ومُتَّلًى من وَلِيتُ.
وأما: {مُتْكًا} ساكنة التاء فقالوا: هو الأُتْرُجُّ، ويقال أيضًا: هو الزُّمَاوَرْدُ.
وأما: {مُتَّكَاءً} فعلي إشباع فتحة الكاف من: {متَّكأ}، وقد جاء نحو هذا، أنشدناه أبو علي لابن هَرْمة يرثي ابنه:
فأنتَ من الغَوَائلِ حين تُرْمى ** ومن ذمِّ الرجال بِمُنْتَزَاح

يريد: بِمُنْتَزَح، وعليه قول عنترة، وأنشدناه أيضًا سنة إحدى وأربعين بالموصل:
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جسْرةٍ

وقال: أراد يَنْبَع، فأشبع الفتحة، فأنشأ عليه ألفًا. ولعمري إن هذا مما تختص به ضرورة الشعر وقلما يجيء في النثر، فوزن: {مُتَّكَاء} على هذا مفتعال، كما أن وزن (يَنْبَاعُ) على هذا يَفْعَال، ولو سميت به رجلًا لصرفته في المعرفة؛ لأنه قد فارق شبه الفعل وَزْنًا، ولو سميته بينبع لم تصرفه، كما أنك لو سميته بينظر لم تصرفه، فإن سميته بأَنظور، تريد: فأنظر؛ لصرفته معرفة لزوال مثال الفعل. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بسر الصناعة.
ومن ذلك: {حاشَا اللهِ} ابن مسعود وأبي بن كعب. وقرأ: {حاش الإِلَهِ} الحسن. وقرأ: {حَاشْ للهِ} جَزْم الحسن بخلاف.
قال أبو الفتح: أما: {حاشا الله} فعلى أصل اللفظة، وهي حرف جر، قال:
حاشا أبي ثوبان إنَّ به ** ضِنًّا على الْمَلْحَاةِ والشَّتْمِ

وأما: {حاش الإله} فمحذوف من حاشا تخفيفًا، وهو كقولك: حاشا الرب وحاشا المعبود، وليس (الإله) هكذا بالهمز هو الاسم العلم؛ إنما ذلك الله- كما ترى- المحذوف الهمزة، على هذا استعملوه علَمًا وإن كان لعمري أصله الإله مكان الله، فإنه كاستعمالهم في مكانه المعبود والرب.
ومنه قوله:
لعنَ الإلهُ وزوجَها معها ** هند الهنود طويلة الفَعل

وأما: {حاشْ لله} بسكون الشين، فضعيف من موضعين:
أحدهما: التقاء الساكنين: الألف، والشين، وليست الشين مذعمة.
والآخر: إسكان الشين بعد حذف الألف، ولا موجب لذلك؛ وطريقه في الحذف أنه لما حذف الألف تخفيفًا أتبع ذلك حذف الفتحة إذ كانت كالعَرَض اللاحق مع الألف؛ فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، والصفير في الصاد والسين والزاي، والإطباق في الصاد والضاد والطاء والظاء، ونحو ذلك. فمتى حَذفت حرفًا من هذه الحروف ذهب معه ما يصحبه من التكرير في الراء، والصفير في حروفه، والإطباق في حروفه. وعليه قوله:
رهطُ مَرْجُومٍ ورهطُ ابن الْمُعَلْ

يريد: الْمُعَلَّى، فلما حذف الألف حذف معها فتحتها، فبقي المعلَّ، فلما وقف في القافية المقيدة على الحرف المشدد خففه على العبرة في مثله، كما خففه في نحو قول طرفة:
ففداءٌ لبني قيس على ** ما أصاب الناس من سُرٍّ وضُرْ

ما أَقَلَّتْ قَدَمِي إنهم ** نَعِمَ الساعون في الأمر الْمُبِرْ

فخفف ضُرْ ومُبِرْ، فكذلك خفف (المعَلَّ) فصار الْمُعَلْ. فهذا حديث حذف الفتحة من: {حاشْ}.
وأما التقاء الساكنين فعلى قراءة نافع: {مَحْيَايْ}، وعلى ما حُكي عنهم من قولهم: التقت حَلْقَتَا البِطَان، بإثبات ألف (حلْقَتَا) مع سكون لام البطان؛ لكن السؤال من هذا عن إدغام لام الجر على: {لله} وقبلها: {حاشْ} و: {حاشا} وهو حرف جر، وكيف جاز التقاء حرفي جر؟
فالقول أن: {حاشْ} و: {حاشا} هنا فعلان، فلذلك وقع حرف الجر بعدهما.
حكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد قال: سمعت أعرابيًّا يقول: اللهم اغفر لي ولمن سمع حاشا الشيطان وأبا الأصبغ، فنصب بحاشا. وهذا دليل الفعلية، فعليه وقعت بعده لام الجر.
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي الحويرث الحنفي: {ما هذا بِشِرًى} بكسر الباء والشين. قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد: ما هذا يِمَشْرِيٍّ، من قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي: باعوه؛ أي: ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوُضع المصدر موضع اسم المفعول، كقول الله سبحانه: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} أي: مصيده، وكقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: المخلوق، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الراجع في هبته...» أي: في موهوبه، وهذا الثوب نسْج اليمن، أي: منسوجه؛ وذلك أن الأفعال لا يمكننا إعادتها. ومنه قولهم: غفر الله لك عِلْمَه فيك؛ أي: معلومه. ومنه قولهم: هذا الدرهم ضَرْب الأمير؛ أي: مضروبه.
والآخر: أن تكون الباء غير زائدة للتوكيد كالوجه الأول؛ لكنها كالتي في قولك: هذا الثوب بمائة درهم، وهذا العبد بألف درهم؛ أي: هذا بهذا، فيكون معناه: ما هذا بثمن؛ أي: مثله لا يُقَوَّم ولا يُثَمَّنُ، فيكون (الشِّري) هنا يراد به المفعول به؛ أي: الثمن المشترَى به، كقولك: ما هذا بألف، وهو نفي قولك: هذا بألف، فالباء إذن متعلقة بمحذوف هو الخبر، مثلها كقولك: كُرُّ البر بستين، ومنوَا السمن بدرهم.
ومن ذلك ما رُوي عن عمر أنه سمع رجلًا يقرأ: {عَتَّى حِينٍ}، فقال: مَن أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه: إن الله عز وجل أنزل هذا القرآن فجلعه عربيًّا، وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام.
قال أبو الفتح: العرب تُبْدل أحد هذين الحرفين من صاحبه لتقاربهما في المخرج، كقولهم: بُحْثِر ما في القبور؛ أي: بعثر، وضبعت الخيل؛ أي: ضبحت، وهو يُحنْظِي ويُعَنْظِي: إذا جاء بالكلام الفاحش، فعلى هذا يكون عتَّى وحتَّى؛ لكن الأخذ بالأكثر استعمالًا، وهذا الآخر جائز وغير خطأ.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: {إنِّي أَرانِي أَعْصِرُ عِنَبًا}.
قال أبو الفتح: هذه القراءة هي مراد قراءة الجماعة: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}؛ وذلك أن المعصور حينئذ هو العنب، فسماه خمرًا لما يصير إليه من بعدُ حكايةً لحاله المستأنفة، كقول الآخر:
إذا ما مات مَيْتٌ من تميم ** فسرَّك أن يعيش فجيء بزاد

أراد: إذا مات حيٌّ فصار ميْتًا كان كذا، أو فليكن كذا. وعليه قول الفرزدق:
قتلت قتيلًا لم يَرَ الناسُ مثلَه ** أُقَلِّبُهُ ذا تُومتين مُسَوَّرَا

وقد مضى هذا قبل.
ومن ذلك قراءة عكرمة والجحدري: {فَيُسْقَى ربُّهُ خَمْرًا}
قال أبو الفتح: هذا في الخير يضاهي في الشر قوله: {فيُصْلَبُ}؛ لأن تلك نعمة، وهي نَقِمة.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن عمر بخلاف وعكرمة ومجاهد بخلاف عنهما والضحاك وأبي رجاء وقتادة وشُبيل بن عَزْرَة الضُّبْعِي وربيعة بن عمرو وزيد بن علي: {وادَّكَرَ بَعْد أَمَهٍ}، وقرأ: {بعْد إِمَّةٍ} الأشهب العقيلي.
قال أبو الفتح: (الأَمَهُ): النسيان، أَمِهَ الرجل يَأمَهُ أَمَهًا: أي نسي. (والإِمَّةُ): النعمة؛ أي: بعد أن أنعم عليه بالنجاة.
ومن ذلك قراءة عيسى والأعرج وجعفر بن محمد: {وفيه يُعْصَرُون} بياء مضمومة وصاد مفتوحة.
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب أن معنى: {يُعْصَرُون}: أي يُمْطَرُون، فإن شئت أخذته من العُصْرَة والعَصَر للمَنْجَاةِ، وإن شئت أخذته من عَصَرَت السحاب ماءها عليهم.
وعليه قراءة الجماعة: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}، فهذا من النجاة. وروينا عن ابن عباس: أي يَعْصِرون من الكرم والأدهان، فهذا تفسير النجاة: كيف تقع بهم وإليهم؟ قال أبو زبيد:
صاديا يستغيث غير مُغَات ** ولقد كان عُصْرة الْمنْجُود

أي: نجاة المكروب.
ومن ذلك قراءة علقمة ويحيى: {رِدَّتْ إلينا} بكسر الراء.
قال أبو الفتح: فُعِل من ذوات الثلاثة إذا كان مضعفًا أو معتلًا عينه يجيء عنهم على ثلاثة أضرب: لغة فاشية، والأخرى تليها، والثالثة قليلة، إلا أن المضعَّف مخالف للمعتل العين فيما أذكره.
أما المضعف، فأكثره عنهم ضم أوله كشُدَّ ورُدَّ، ثم يليه الإشمام، وهو شُدّ ورُدّ بين ضم الأول وكسره، إلا أن الكسرة هنا داخلة على الضمة؛ لأن الأفشى في اللغة الضم. والثالث- وهو أقلها- شِدّ ورِدّ وحِلّ وبِلّ، بإخلاص الكسرة، فهذا المضعف.
وأما المعتل العين، فأقوى اللغات فيه كسر أوله، نحو: قِيلَ وبِيعَ وسِيرَ به، ثم يليه الإشمام؛ وهو أن تُدخل الضمة على الكسرة؛ لأن الكسر هنا هو الأفشى، فتقول: قُيِلَ وبُيِعَ وعُيِصَ، والثالث- وهو أقلها- أن تُخلص الضمة في الأول كما أخلصتَ الكسرة فيه مع التضعيف، نحو: رِدّ وحِلّ، فتصح الواو من بعدها؛ فتقول: قُولَ وبُوعَ، وروينا عن محمد بن الحسن، أظنه عن أحمد بن يحيى:
وابْتُذِلَتْ غَضْبَي وأُمُّ الرِّحالْ ** وقُولَ لا أهلَ له ولا مالْ

وقال ذو الرمة:
دنا البيْنُ من ميٍّ فَرِدَّتْ جِمَالُها ** وهاج الهوى تَقْوِيضُها واحتمالُها

وهذه لغة لبني ضبة، وبعضهم يقول في الصحيح بكسر أوله: قد ضِرْب زيد، وقِتْل عمرو، وينقل كسرة العين على الفاء.
وحُكي عنهم فيما رويناه عن قطرب: بُوعَ متاعُه، وخُورَ له، واخْتُور عليه: أي اخْتِيرَ، وهو الأجود. ومَن أشَمَّ فقال: قِيُل قال: اختير عليه، ومَن قال: شُد قال: اشْتُدَّ عليه، ومن قال: شُد فأشم أشم أيضًا فقال: اشتُد عليه، ومَن قال: شِدّ قال: اشْتِدَّ عليه.